أتمت سارة الخامسة والعشرين من عمرها ،، حاولت عائلتها الاحتفال بذلك اليوم ولكنها لم تحضر حفلها كالعادة وبقيت في غرفتها وهي تطفئ الأنوار وتنظر من النافذة ..
مرت ثلاث سنوات منذ ذلك الحادث، لكن سارة أصبحت مختلفة ..
أصبحت ضعيفة، جبانة ومنطوية ... لا تثق بأي شخص كان .. تكره الحفلات، والقصص والناس والشوارع والزهور وكل شيء، أصبحت هزيلة وشاحبة وغير مهتمة بنفسها، أصبح شعرها أكثر طولا وظهر لون أسود يحيط بعينيها الجميلتين الحزينتين ... تعزل نفسها في غرفتها ممسكة بصورة شقيقها ودفتر مذكراتها ..
لقد زادت حالتها سوءا ووقف والديها عاجزين عن فعل أي شيء ..
جلس الأب والأم يتكلمان وينفسان عن همومهما بعد انتهاء الحفل الصغير وانصراف أقربائهم وقالت الأم:
- لقد فقدنا كل شيء دفعة واحدة يا عامر!! أبننا ... ثم ابنتنا ..
تنهد الأب بألم وتمتم:
- لم نفقد سارة .. بعد ..
نزلت دمعة الأم حارة وبدا لا أمل لها فعاد الأب يقول مواسيا:
- يجب أن نجعلها تخرج من هنا، ثلاث سنوات وقت طويل لكي تنسى ..
- لكنها .. لـ .. لا تنسى يا عامر!
أجهشت الأم بالبكاء فضمها الأب بحنان وقال وهو يربت على ظهرها :
- لا بأس .. لا بأس ..
في الصباح دخلت الأم غرفة سارة وهي تحمل كعكة الحفلة التي صنعتها مجددا ونظرت جيدا فوجدت سارة تنام على الأريكة بوضع غير مريح مستندة على يدها اليمنى وقد سقط منها كتاب مذكراتها القديم ..
ترددت الأم كثيرا قبل أن تلتقطه ووضعت الكعكة على الطاولة ثم فتحت الصفحة الأخيرة وسمحت لنفسها بقراتها:
" لم أكن أتخيل لحظة، أن آندريه بهذا السوء، كنت أظن أنني أحلم كالعادة،، تباً ... تبا لأحلامي ولماليبو وآندريه.. تبا لهما ..
تبا للكنز!!
الكنز المزيف ...
تبا لكل شيء في العالم، وتبا للموت وللأشرار ..
لن أكتب شيئا منذ تلك اللحظة، لن أكتب لأن قلمي جف، أريد فقط أن أضع ذكرى خالدة لأناس لم أعرف أنهم بهذه الشجاعة إلا عند الموت ..
أحبك يا سامي .. يا أخي الحبيب الذي أحببته أكثر من نفسي ..
أحبك يا فيليب .. أيها القاسي الملامح الرقيق القلب، أتذكرك وأنت تطعم الطيور ..
أحبك يا جاكي أو ألفريدو كما أحببت أن أناديك ... رغم أنك كنت تدخن بشراهة ..
أحبك يا جوشوا الطيب ... الذي لم تجد صدرا حنونا يحتويك فآثرت الموت ..
والوداع إذا .. ... سارة عامر "
سقط دفتر المذكرات من يد الأم ونظرت إلى وجه سارة لترى للحظة أنها لا تتنفس .. فزعت وحركتها بسرعة:
- سارة .. سارة ابنتي .. أجيبي يا ابنتي ..
فتحت سارة عينيها ببطء فتنفست والدتها الصعداء وقالت:
- لقد خفت عليك ..
ضمتها بقوة وانهمرت دموعها ومن خلف ظهر والدتها شاهدت سارة الكعكة المزينة بالشموع الخمس والعشرين فقالت:
- شكرا يا أمي ..
أمسكت الأم بوجه ابنتها وقالت ودموعها تسيل بلا توقف:
- سارة، لا تشعريني بأنني فقدتك، لقد تغيرت، ليس موت شخص معناه نهاية العالم،، لقد مات سامي وهو ولدنا وأحب شخص إلينا... ومع ذلك .. مع ذلك لم ننطوي ولم نزوي حتى الموت .. أنت شابة جميلة .. وأمامك مستقبل .. ولا أريدك أن تظلي هكذا مدى حياتك ..
كانت سارة تنظر لوالدتها الباكية وقالت سارة بخفوت:
- أمي ،، لقد أصبحت مجنونة!! وسأظل هكذا، لا أريد أن أتزوج .. ولا أريد أن أعرف أحدا، سأعيش معك أنت وأبي وحسب .. أنا أثق بكما ..
ابتعدت الأم باكية ولكنها توقفت قليلا عند الباب وقالت وهي تجفف دموعها:
- أنت لست مجنونة ... أريدك أن تكوني أكثر إيمانا بالله ..
خرجت الأم وظلت سارة تحدق بالكعكة مليا ثم وقفت وأغلقت الباب..
**************************************************************************
2
مضى ذلك النهار وسمعت سارة طرقا على باب غرفتها ... قالت سارة:
- تفضل ..
دخلت والدتها وهي ممسكة بمظروف وقالت باسمة :
- عزيزتي سارة،، لقد وصلت لك تلك الرسالة منذ قليل .. تفضلي ..
أمسكت سارة بالمظروف وهي تتساءل عن الشخص الذي راسلها فهي لا تعرف أصدقاء مخلصين .. جلست الأم إلى جوار ابنتها وقالت:
- هل تمانعين!
- بالطبع لا .. تفضلي يا أمي، فليس لدي أسرار أخفيها عنك ..
جلست السيدة نور بجانب ابنتها وفتحت سارة المظروف وأخرجت الرسالة،، كانت وردية اللون ومعطرة وبدأت سارة تقرأ رسالة بخط اليد :
" إلى الغاليه سارة :
حتماً تتسائلين عن مرسل تلك الرساله ..
صدقيني لكم أسعدني أنني علمت بأنك بخير،
وددت إخبارك أنني حقاً .. اشتقت إليك على الرغم من أنني سوى بضع مرات ولكني تأكدت أنك رائعه وتستحقين كل ماهو جيد في هذه الحياة.
سأخبرك من انا ..
أنا شخص أشقر ممل كنت أدخن كثيراً ، وأدعى جاكي.
استيقظت بعد الحادثة لأكتشف أنني خسرت عائلتي ولكنني الآن أملك واحداً (أنتِ).
لقد أصبت في العامود الفقري وأصبحت مقعداً.
أنا الآن في وطنك بصحبة صديقاي عادل وجيف. و ..
كنت حقاً أود رؤيتك.
هل يمكنك تحقيق أمنيه أخيرة لهذا الشاب المعاق؟
سيسرني ذلك كثيراً ... مع إخلاصي.
ألفريدو أليخاندرو
سقطت ورقة أخرى كان عليها رقم هاتف جاكي ...
ابتسمت سارة وقالت وهي تنظر لوالدتها بعينين دامعتين فرحتين:
- أمي ... إنه جاكي .. لقد أخبرتك عنه،، لم يمت .. أرأيت .. حمدا لله!!
ابتسمت والدتها وقالت:
- أنا سعيدة من أجله ..
صمتت سارة للحظة وقالت :
- أمي .. هل ستسمحين لي بزيارته ..
قالت الأم بلطف:
- أجل ولكننا سنكون معك ..
عانقت سارة والدتها وقالت بفرحة:
- شكرا يا أمي .. شكرا!!
******
قال عامر ببعض القلق:
- لكنه أجنبي بأي حال ..
دافعت الأم قائلة:
- عامر! أنت لم تر الفرحة في عينيها .. سوف يغير حياتها ويجعلها تخرج على الأقل ..
- لكنه أجنبي، لا يمكنني السماح لهما بالزواج ..
- عامر .. إنه مقعد .. وهو فاقد الأمل في كل شيء، هل تفهم ذلك؟
- لم أكن أعرف ذلك!!
في المساء أخذ السيد عامر رقم جاكي من سارة التي جلست هي ووالدتها يراقبن الهاتف ثم قام بالاتصال،، وبعد وقت قصير أجاب شاب:
- نعم؟
- آ .. هل السيد جاكي موجود؟
- جاكي؟
- نعم ..
- حسنا، من أخبره؟
- أخبره أنني والد سارة ..
- لحظة من فضلك ..
لم تمر ثوان حتى سمع السيد عامر صوت شاب حالم وتكلم قائلا بلغة عربية سليمة:
- مرحبا، من المتحدث ؟
- أنا الطبيب عامر،، وأنا والد سارة ..
صرخ جاكي في الهاتف وقال بصوت سعيد:
- حقا، .. هل هذا حقيقي! أنا سعيد جدا لسماع صوتك سيدي .. سعيييييد!!
- نحن أيضا،، لقد أخبرتنا سارة عنك الكثير ..
- شكرا سيدي، إنها حقا فتاة رائعة، هنيئا لكم بها ..
- شكرا لك ..
- سيد عامر، بما أنك اتصلت بي، ألا يمكننا التعارف؟؟
- بالتأكيد وهذا سيسرنا كثيرا ..
- وسيمكنني رؤية سارة ؟
- بالتأكيد، أخبرنا فقط عن عنوانك ونحن سنقوم بزيارتك ..
- يبدو أنك عرفت بالمشكلة، شكرا لك بأي حال!
- أنا متأسف جدا على ذلك الحادث ..
- لا بأس، كان جيدا كفاية لأفيق من الغيبوبة التي عشت فيها طوال عمري!
شعر السيد عامر بالإشفاق على ذلك الشاب وقال:
- إذن سنراك قريبا ..

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق