بعد عدة أيام، خرجت العائلة الصغيرة متوجهة إلى مطعم تواعدوا فيه على اللقاء ..
كانت سارة متفائلة، وهي تخرج في نزهة لأول مرة منذ عامين أو يزيد ولذلك فقد كانت تنظر للشوارع من خلال نافذة السيارة وكأنها افتقدتها منذ زمن ..
تماما كما تفتقد شقيقها سامي ..
عندما وصلوا إلى المطعم، كان هناك ثلاثة شبان يجلسون حول طاولة كبيرة، عرفت سارة أحدهم ألا وهو جاكي، وكان يجلس على كرسي متحرك على عكس الآخرين وقالت سارة بصوت منخفض:
- أبي، إنه هناك ..
التفت جاكي مصادفة ليشاهد سارة، بدا عليه التأثر وأغرورقت عيناه بالدموع ففهم صديقاه ووقفا ليلقيا التحية على السيد عامر .. تعرف السيد عامر عليهما، أحدهما كان أسبانيا، لديه شعر أحمر وعينان خضراوان وهو ملفت جدا للنظر ويدعى "جيفيرو"،، أما الآخر فكان لديه ملامح شرقية ووجه لطيف ويدعى "عادل" ..
في النهاية تعرف والد سارة على " جاكي" أو "ألفريدو" كما هو اسمه الحقيقي ..
صافحت سارة جاكي ونظرت إليه للحظات ثم قالت بعد كادت دمعة تنزل من عينيها:
- سعيدة لرؤيتك مجددا يا جاكي ..
- مازلت مصرّة على جاكي؟
- لقد عرفتك بهذا الاسم ..
- وأنا أحب ذلك ..
جلس الجميع حول المائدة، وكان العشاء شهيا جدا بصحبتهم، وتبادلوا الأحاديث، كان جيف مغتاظا جدا لأنه لا يتقن العربية ولم يفهم معظم الحوار وكان يغني بالأسبانية ويصف مدى شعوره بالعزلة والقهر و جاكي يترجم بنفس اللحن .. أما الباقون فضحكوا على ذلك كثيرا ...
كانت معنويات جاكي مرتفعة جدا، على الرغم من الإصابة المدمرة التي تعرض لها وكان ينظر إلى سارة بابتسامة معبرة بين الحين والحين .. وشعرت والدة سارة أنها خرجت من جو الكآبة الذي كانت تعيش فيه ..
وأكثر ما أسعدهما ... تلك الضحكات الصادقة التي كانت تخرج من بين شفتيها وفرحة من عينيها ..
بعد ذلك الحوار مر أسبوع حتى جاء جاكي بصحبة عادل لزيارتهم،، كان يحتاج معاونا على الدوام ..
في ذلك اليوم وجد جاكي فرصة للتحدث وقال السيد عامر :
- لم لا تأت إلى المستشفى، لدي صديق بارع في الجراحة العصبية، وقد يتمكن من مساعدتك ..
أسند جاكي ذقنه على قبضة يده وقال بيأس:
- لا أعتقد أن هناك علاج ناجع لحالتي،، وإن كان .. فسوف يكون سعره فلكيا،، انا أعرف ذلك ..
- دعنا نر وحسب ..
قالت سارة مشجعة:
- أجل يا جاكي .. اذهب، ربما يستطيع والدي مساعدتك ..
- لا .. لن أثقل كاهلكم بتلك الأمور ..
قال السيد عامر معاتبا:
- لا تقل ذلك، يكفي فقط المحبة التي تكنها لك سارة، لقد أنقذت حياتها بشجاعة .. وليس مرة واحدة .. أليس كذلك يا سارة؟
توردت وجنتا سارة خجلا من نظرة جاكي الممتنة وتمتمت :
- صحيح يا أبي ..
قال عادل شيئا وهو يخاطب السيد عامر، ودخلا في نقاش ما، ولكن سارة لم تشعر بوجود أي شخص سوى جاكي، وكذلك جاكي .. كانا ينظران لبعضهما وقال جاكي مخاطبا سارة بخفوت:
- عندما أفقت في المستشفى، فتحت عيني وأنا أتذكر وجهك، علمت أن وقتا طويلا قد مضى على مكوثي داخلها وظننت أنك قتلت ..
ظلت سارة مبتسمة بهدوء وتابع جاكي حديثه بعد توقفه لثوان:
- عندما خرجت، وجدت أنني فقدت عائلتي تقريبا، جوشوا أولا ... ثم ماليبو، فيليب، وأنت وشقيقك .. وعندما تسلمت مفاتيح القلعة وأوراقها باعتباري الوريث الوحيد في استراليا،، علمت أنك نجوت ..
ابتسمت سارة وقالت:
- هل القلعة لك الآن؟
- أجل .. مع كل ذكرياتها السيئة ..
صمتت سارة تفكر لوهلة ثم قالت:
- لم يحصل حفـّار وزحل على أي شيء منها ..
- لقد أخذا الكنز ..
ضحكت سارة وقالت :
- لقد أخذا ما استحقاه .. زجاج مزيف من العشرينات قلده مالك القلعة الأصلي .. لكي يراه الآخرون بدون المساس بكنزه الحقيقي ..
ألجم جاكي الصمت وظل ينظر بحيرة ثم همس:
- كيف علمت بذلك ..؟
- علمت بذلك مصادفة ..
- لا أصدق!!
قالها جاكي باندهاش فانتبه الجميع إلى حوارهما وقال السيد عامر:
- هذا ما كنا نقصده عن معدات المستشفيات المتطورة حقا، ماذا ظننت يا جاكي؟
لم يفهم جاكي السؤال ولكنه أدرك أن السيد عامر ظن أنه يقول " لا أصدق" وهو يتابع الموضوع الذي كان يناقشه مع عادل ..
ابتسمت سارة وقالت وهي تنقذ جاكي من المأزق:
- إنه التطور السريع يا أبي ..
- صحيح!! ولهذا فإن لجاكي الآن أمل كبير في أن يتعافى ولكنني أريد أن أعرف مقدار الضرر الذي أصابه أم ماذا؟
تمتم جاكي:
- صحيح يا سيدي، لكن .. أعتقد أن إصابتي بليغة ..
- كن أكثر ثقة بالله ..
- صحيح .. أنا لست مؤمنا مثل سارة!
*********
وقفت سارة في المستشفى بجوار والدها و جاكي .. قال السيد عامر وهو ويدخل إلى أحد العيادات:
- انتظروني للحظات ..
نظرت سارة إلى جاكي وقالت مشجعة:
- جاكي ، يجب أن تكون مؤمنا بأن الله سيشفيك ..
ابتسم جاكي وقال:
- سأحاول ..
- ستحاول؟؟؟ هل أنت مجنون، إن الله يتكفلك بحفظه طوال الوقت ..
- أعلم .. ولكن الإيمان شيء صعب يا سارة ..
- ليس صعبا، ألست تعتقد بوجود الله؟ أم أنك ماركسي ؟
ضحك جاكي وقال:
- بالطبع أؤمن بوجوده، ولست ماركسيا .. في الحقيقة .. انا لا أؤمن بأي ديانة!
- هل أنت مجنون! سوف تلقى في الجحيم على وجهك!!
- أنت متحاملة علي .. وما أدراني عن الدين الذي سيدخلني إلى الجنة! على الأقل سيسامحني الله! بدلا من أن أقوم بعبادات تغضب الله علي! وتزيد الطين بله!
نظرت سارة وكانت ستقول شيئا ولكن السيد عامر خرج بصحبة طبيب آخر وأمسكت إحدى الممرضات بالكرسي المتحرك وقال جاكي وهو يبتعد :
- سأكون مؤمنا لا تجزعي!
ابتسمت سارة حتى ابتعدت ثم زفرت قائلة تحدث نفسها:
- لا أصدق أن هناك إنسان لا مبال بتلك الطريقة ..
بعد أن خرج الجميع من العيادة اقتربت سارة وتساءلت بلهفة:
- ماذا حصل؟؟
كان جاكي مبتسما كالعادة وتكلم والدها قائلا:
- هل تريدين معرفة كل شيء بهذه السرعة؟ هناك تحليلات وفحوصات كثيرة أمامنا ..
- ولكن النتيجة الأولية .. على الأقل!
ضحك جاكي وقال:
- ليست مبشرة يا سارة!
ظهر الاستياء على وجه سارة ونظرت بحزن إلى والدها فقال:
- سنقوم بما علينا ... والباقي سنتركه على الله ..
تمتم جاكي:
- أنتم مؤمنون جدا!
نظرت سارة بحدة إلى جاكي وقالت:
- عليك أن تكون كذلك أيضا ...
أومأ جاكي بالإيجاب والابتسامة لا تفارق شفتيه ... ولكن في عينيه الملونتان .. شعرت سارة بحزن كبير يخبئه خلفهما ..
وربما ماضٍ أليم .. تتمنى سارة معرفته ..
***********************************************
2
عادت سارة بمفردها إلى البيت وابتسمت والدتها وهي تقول:
- لقد تعلمت طريق العودة .. ما أشد سعادتي!
ضحكت سارة وقالت:
- أنا أيضا أشعر ببعض السعادة من أجل ذلك التطور ..
دخلت سارة إلى غرفتها ووضعت رأسها على وسادتها وهي تنظر إلى السقف وتفكر .. تذكرت القلعة .. كل أحداثها بالتفصيل في ذلك الشهر الذي أطلقت عليه اسم "شهر الجحيم" ..
أغمضت عينيها وهمست:
- أنت السبب يا ماليبو ...
راحت سارة في نوم عميق وحلمت ، حلمت لأول مرة منذ عامين .. كانت دائما تنام في ظلام قاتم، لا أشخاص ولا أماكن ولا ألغاز ..
كانت تحلم بأنها مكبلة من يديها وتجري حول القلعة بسرعة وتشعر بالخوف ...
ومن بعيد شاهدت آندريه .. كان يعترض طريقه بتلك الابتسامة الغريبة التي عهدتها عليه مؤخرا ..
استيقظت سارة فجأة وهي تلتقط أنفاسها ..
كانت مفزوعة ونظرت حولها للتأكد أنها في بيتها وليست في القلعة ، واطمأنت عندما التقت عيناها بعيني والدتها التي دلفت إلى الغرفة وهي تمسح على رأس ابنتها المرتجفة وتقول:
- ما بك يا صغيرتي؟؟ هل أنت بخير؟؟
همست سارة بصوت مرتجف:
- أ .. أجل ..
أمسكت والدتها بكتفيها ونظرت إلى عينيها فبدأت سارة بالبكاء، وظهر الفزع على وجه والدتها وهي تقول:
- ما الأمر ... لماذا البكاء ؟؟؟ سارة ..
مسحت سارة دموعها وقالت بتلقائية:
- لقد عدت أحلم مجددا .. لقد حلمت به ..
- من؟
- حفـّـار!
- ماذا؟؟ إنه مجرد حلم ..
ثم ضمت ابنتها إلى صدرها مجددا وقالت برفق:
- ربما لأن جاكي أعاد إليك ذكريات قديمة ... أليس كذلك؟
أومأت سارة بالإيجاب، فوقفت والدتها وهي تمسك بيد سارة وقالت:
- هيا لقد جهزت الغداء ..
خرجت سارة مع والدتها ونظرت إلى ساعة الردهة فوجدت أنها قد غفت لمدة عشر دقائق تقريبا ..
حاولت أن لا تفكر في الأمر وبدأت بتناول الطعام ..
في المساء عاد والدها إلى المنزل وانتظرت سارة حتى بدأ يقول بنفسه:
- هناك أمل لجاكي ..
رفعت سارة حاجبيها وقالت بفرحة:
- حقا؟؟ هل يمكنه المشي مجددا ..
- إنه أمل ضعيف و لكن .. على الأقل لديه أمل ...
أسندت سارة ظهرها مجددا على الأريكة .. وهي تدعو الله ان ينجح الأمر فعاد الأب يقول:
- هل هو ثري؟
ابتسمت سارة وقالت:
- لا أعلم .. ربما .. ولكن لماذا تسأل هذا السؤال الغريب يا أبي؟
- لربما يحتاج إلى عملية باهظة الثمن ..
- حقا؟
- أجل، لأنه أراد العلاج فعليه أن يسافر إلى أميركا بإشراف طبي .. في مركز أوكسفورد، وهذا سيكلفه كثيرا ..
تذكرت كلام جاكي:
" لا أعتقد أن هناك علاج ناجع لحالتي،، وإن كان .. فسوف يكون سعره فلكيا.."
تمتمت سارة:
- كان يعرف!
انتبه الأب وقال:
- يعرف ماذا؟
لم تنتبه سارة لكلام والدها فقد كانت تفكر في جاكي ..
*********
دلفت سارة من باب المستشفى وشاهدت والدها يرتدي معطفه الأبيض ويتكلم مع شخص في الاستعلامات ..
اتجهت نحوه ولكن هناك من اعترض طريقها وهو يقول:
- مرحبا يا آنسه ..
سمعت سارة ذلك وتوقفت وهي تنظر باتجاه الصوت فشاهدت "عادل" صديق جاكي الذي اقترب مبتسما، ابتسمت سارة أيضا وقالت:
- مرحبا يا عادل ..
- أنت تتذكرين اسمي ..
- أجل ، إنه اسم مميز..
- شكرا لك ..
نظرت سارة حولها وقالت:
- لكن .. أين جاكي ..؟؟
رفع عادل حاجبيه وقال:
- كنت لأسألك نفس السؤال، لقد سألت عنه ولم أجده ..
- ماذا؟
- أقسم لك ..
قالت سارة وهي تسير متجهة إلى والدها :
- تعال، ربما يعرف أبي مكانه ..
سار عادل تلقائيا خلف سارة، ووصلت سارة إلى والدها الذي رآها من بعيد وانتظر حتى قدمت فقال وهو يصافح عادل:
- لقد اختفى صديقك!
فزعت سارة وقالت:
- ماذا تعني يا أبي؟؟
- اعني أنني نومته في المستشفى ليكمل ما تبقى من الفحوصات وعندما حضرت هذا الصباح لم أجده ..
نظرت سارة إلى عادل وقالت:
- أين يكون ذهب؟؟
- لا أعلم ..
- عادل .. ألا تعرف عنوان بيته؟؟
- إنه يقيم مع "جيف" في أحد فنادق الشاطيء ..
عضت سارة شفتها السفلى وهي تفكر وقال عادل:
- لـ .. لكن ما الذي دفعه لفعل ذلك؟
قال والد سارة:
- لدي عمليه جراحية بعد قليل وعليّ الذهاب .. إذا علمتم أين جاكي .. فأنا أريده أن يعود فورا لاستكمال الفحوصات ..
أومأ عادل بالإيجاب فقالت سارة:
- وإذا رأيته فوبخه بشدة!
ابتسم عادل وانصرفت سارة تاركة عادل ووالدها خلف ظهرها وهي تقول:
- إلى اللقاء الآن ..

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق